محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

20

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

للسائل أن يسأل فيقول : « ما » في هذه المواضع بمعنى « الذي » فما الفائدة في إخراج بعضها على لفظ « الذي » ، وإيقاع الأخرى على لفظ « ما » ، وإدخال « من » على « بعد » في قوله : ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ وهل بين قولك : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ وقولك : بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فرق وهل بين « الذي » وبين « ما » فرق ؟ الجواب عن ذلك أن يقال تبين أولا : الفرق بين « الذي » وبين « ما » ليصح الفصل ، ويظهر موضع كل واحد منهما والمعنى الذي يليق بهما : اعلم أن « ما » إذا كانت بمعنى : « الذي » فإنها توافقها بأنها تبين بصلتها ، وتخالفها بأشياء كثيرة ، فتصير « الذي » متضمنة من البيان ما لا تتضمنه « ما » . فمن ذلك إنك تدخل على « الذي » أسماء الإشارة ، فتكون « الذي » صفة لها كقوله تعالى : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ « 1 » وقوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ « 2 » فيكتنف « الذي » بيانان أحدهما : الإشارة قبلها والآخر : الصلة بعدها ولا يكون ذلك في « ما » ؛ لأنها لا يوصف بها كما يوصف « بالذي » ، لا تقول : أمن هذا ما هو جند لكم ؟ . والثاني : أن « ما » تنكر فيجري ما كان صلة لها صفة تبينها ، وليس ذلك في « الذي » وهو كقوله في الشعر : ربما تكره النفوس من الأم * ر له فرجة كحل العقال والثالث : أن « الذي » تثنى وتجمع وتؤنث ، فتلحقها هذه العلامات بيانا لهذه المعاني و « ما » لا يلحقها ذاك ، بل هي على لفظة واحدة في التثنية والجمع والتأنيث . والرابع : أن « الذي » قد لزمتها أمارة التعريف وهي : الألف واللام ولا شيء مما ذكرناه في « ما » ، ولشدة إبهامها خص التعجب بها ؛ لأن سبب التعجب إذا استبهم كان أبلغ في معناه ، فإذا تبينت أن « الذي » و « ما » التي بمعناها : اسمان مبهمان ناقصان ، و « الذي » تزيد على « ما » في وجوه البيان الذي ذكرنا رجعنا إلى الآيات الثلاث ، وبينا ما يليق من الاسمين بكل آية فقلنا قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ « 3 » أي : لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتها ، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع ملتها ، واتباع

--> ( 1 ) سورة : الملك ، الآية : 20 . ( 2 ) سورة : الملك ، الآية : 21 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 120 .